ابراهيم بن محمد البيهقي

145

المحاسن والمساوئ

فأمّا التي خيرها يرتجى * فأجود جودا من الللّافظه وأمّا التي شرّها يتّقى * فنفس العدوّ بها فائظه قيل : وخرج معاوية بن أبي سفيان ذات يوم فقام إليه رجل فقال : قد أملتك لمهم فما عوضي من ذلك ؟ قال : إبلاغك أمنيتك فتمن ، قال : ألف دينار ، قال : هي لك ومثلها استظهارا لبقاء النعمة عليك . وقال المهلب بن أبي صفرة لبنيه : يا بني إن ثيابكم على غيركم أحسن منها عليكم ، ودوابكم تحت غيركم أحسن منها تحتكم ، وكان يقول لولده : لا تتكلوا على ما سبق من فعلي وافعلوا ما ينسب إلي ، ثم قال متمثلا : إنّما المجد ما بنى والد الصّد * ق وأحيا فعاله المولود ويقول : ابتداء الفضل يد موفورة والبذل بعد الطلب يد مقبوضة . فأما صلات الخلفاء وسخاؤهم فإنه حدثنا هارون بن محمد بن إسماعيل بن موسى الهادي قال : حدثني علي بن صالح قال : كنت يوما على رأس الهادي وأنا غلام وقد جفا المظالم ثلاثة أيام عاقر العقار فيها ، فدخل عليه الحراني فقال يا أمير المؤمنين إن العامة لا تقاد ، أو قال : لا تنقاد لما أنت عليه ، لم تنظر في المظالم منذ ثلاثة أيام ، فالتفت إلي فقال : يا علي ائذن للناس علي بالجفلى لا بالنقرى ، فخرجت من عنده وأنا أطير على وجهي لا أدري ما قل لي ، فقلت : أرجع فأسأله عما قال فيقول تحجبني ولا تعلم كلامي ؟ ثم أدركني ذهني فبعثت إلى إعرابي كان وفد علينا فسألته عن الجفلى والنقرى ، فقال : الجفلى جفالة الرجال والنقرى ترتيبهم ، فأمرت بالستور فرفعت وبالأبواب ففتحت فدخل الناس على بكرة أبيهم فلم يزل ينظر في المظالم إلى الليل ، فلما تقوص المجلس . قلت : يا أمير المؤمنين كلمتني بكلام لم أعرفه فبعثت إلى أعرابي كان عندي ففسره لي وفهمني فكافه عني يا أمير المؤمنين ، فقال : نعم مائة ألف درهم تحمل إليه ، فقلت : يا أمير المؤمنين أعرابي جلف وفي عشرة آلاف درهم ما أغناه ! فقال : ويحك أجود وتبخل ؟ قال : وحدثنا عبد اللّه بن عمرو البلخي عن ابن دأب أنه كان يأكل مع الهادي وينادمه وكان يدعو له بتكاء وما كان يفعل ذلك في مجلسه بغيره ، وكان لذيذ المفاكهة طيب المسامرة كثير النادرة جيد الشعر حسن الانتزاع ، قال : فأمر له ذات ليلة بثلاثين ألف دينار ، فلما أصبح وجهه قهرمانه إلى باب موسى وقال له : الق الحاجب فقل له يوجه إلينا بهذا المال ، فلقي الحاجب فأتاه برسالته فتبسم وقال : هذا ليس إلي ، فانطلق إلى صاحب التوقيع ليخرج إليك كتابا إلى الديوان فتدبره ثم تفعل كذا وكذا ، فرجع إلى ابن دأب فأخبره ، فقال : دعها ولا